في ظروف الوضع العام المحيط بالذكاء الاصطناعي، الأشبه بحمى البحث عن الذهب أو فقاعة، صدر حديثاً، مؤشر الذكاء الاصطناعي لعام 2026 من The 2026 AI Index «معهد الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان»، التابع لجامعة ستانفورد. وهو التقرير السنوي للذكاء الاصطناعي، الذي جاء ليقضي على بعض من هذا الضجيج المحيط بتطويراته وآفاقه.
تحسن مطرد
رغم توقعات البعض بأن تطور الذكاء الاصطناعي قد يصل إلى طريق مسدود، يُشير التقرير إلى أن أفضل النماذج مستمرة في التحسن. فاليوم يتبنى الناس الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من تبنيهم للحاسوب الشخصي أو الإنترنت. وتجني شركات الذكاء الاصطناعي إيرادات أسرع من الشركات في أي طفرة تكنولوجية سابقة. غير أنها في الوقت ذاته تُنفق مئات المليارات من الدولارات على مراكز البيانات والرقائق الإلكترونية.
وفي المقابل، تكافح المعايير المصممة لقياس الذكاء الاصطناعي، والسياسات المنظمة له، وسوق العمل لمواكبة هذا التطور. ومن المؤكد أن الذكاء الاصطناعي ينطلق بسرعة فائقة، ونحن نحاول جاهدين التكيف معه. وبطبيعة الحال، لكل هذه السرعة ثمن، ففي الوقت الحاضر، تستهلك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي حول العالم 29.6 غيغاواط من الطاقة، أي قدرة تكفي لتزويد ولاية نيويورك بأكملها بالكهرباء في أوقات الذروة. وقد يتجاوز استهلاك المياه السنوي لتشغيل نموذج GPT-40 من «أوبن إيه آي» وحده، احتياجات 12 مليون شخص من مياه الشرب. في الوقت نفسه، تتسم سلسلة توريد الرقائق الإلكترونية بهشاشة مثيرة للقلق.
وبينما تستضيف الولايات المتحدة معظم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في العالم، تصنع شركة «تي إس إم سي» التايوانية جميع رقائق الذكاء الاصطناعي الرائدة تقريباً.
تنافس أميركي ـــ صينيوتكشف البيانات عن تكنولوجيا تتطور بوتيرة أسرع من قدرتنا على مواكبتها. وإليكم نظرة على بعض النقاط الرئيسة الواردة بالتقرير الصادر هذا العام.
في خضم سباق طويل ومحتدم يحمل بطياته رهانات جيوسياسية هائلة، تتنافس الولايات المتحدة والصين بشدة على صعيد أداء نماذج الذكاء الاصطناعي، بحسب منصة «أرينا»، منصة تصنيف مجتمعية تتيح للمستخدمين مقارنة مخرجات نماذج اللغة الكبيرة، بناءً على نصوص متطابقة.
* أداء النماذج. أوائل عام 2023، كانت «أوبن إيه آي» متقدمةً بفضل «تشات جي بي تي»، لكن هذه الفجوة تقلصت عام 2024 مع إطلاق «غوغل» و«أنثروبيك» نماذجهما الخاصة.
وفي فبراير (شباط) 2025، قدم «آر وان»، نموذج ذكاء اصطناعي طوره مختبر «ديب سيك» الصيني، لفترة وجيزة، أداءً مماثلاً لأفضل نموذج أميركي، وهو «تشات جي بي تي». وبحلول مارس (آذار) 2026، تصدرت «أنثروبيك» القائمة، تليها «إكس إيه آي» و«غوغل» و«أوبن إيه آي» بفارق ضئيل. أما النماذج الصينية، مثل «ديب سيك» و«علي بابا»، فكانت متأخرة بعض الشيء.
* التكلفة ورؤوس الأموال والأبحاث. ومع تقارب أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي في التصنيفات، أصبح التنافس متركزاً الآن حول التكلفة والموثوقية والجدوى العملية.
وكشف المؤشر أن الولايات المتحدة والصين تتمتعان بمزايا مختلفة في مجال الذكاء الاصطناعي؛ ففي الوقت الذي تمتلك الولايات المتحدة نماذج ذكاء اصطناعي أكثر قوة، ورأس مال أكبر، وما يُقدّر بنحو 5427 مركز بيانات (أكثر من عشرة أضعاف ما لدى أي دولة أخرى)، تتصدر الصين بمجال منشورات أبحاث الذكاء الاصطناعي، وبراءات الاختراع، والروبوتات.
ومع اشتداد المنافسة، بدأت شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«غوغل» بالامتناع عن الإفصاح عن شفرة التدريب، أو عدد المعاملات في نماذجها، أو أحجام مجموعات البيانات. في هذا الصدد، نقلت مجلة «تكنولوجي ريفيو» عن يولاندا جيل، عالمة الحاسوب في جامعة جنوب كاليفورنيا، التي شاركت في تأليف التقرير: «لا نعرف الكثير عن التنبؤ بسلوكيات النماذج»، مضيفة أن هذا النقص في الشفافية يُصعّب على الباحثين المستقلين دراسة كيفية جعل نماذج الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً.
تطور فائق السرعة
* أداء عال و«ذكاء متذبذب». ورغم التوقعات بأن تطور الذكاء الاصطناعي سيتوقف عند حد معين، فإن نماذج الذكاء الاصطناعي ماضية في التحسن. وبحسب بعض المقاييس، فإنها الآن تُضاهي أو تتجاوز أداء الخبراء البشريين في الاختبارات الهادفة إلى قياس مستوى فهم العلوم والرياضيات رواللغة عند مستوى الدكتوراه. شهد اختبار SWE-bench Verified، معيار هندسي لهندسة البرمجيات خاص بنماذج الذكاء الاصطناعي، قفزة نوعية في أعلى الدرجات، من نحو 60 في المائة عام 2024 إلى ما يقارب 100 في المائة عام 2025، أنتج نظام ذكاء اصطناعي توقعات جوية بشكل مستقل
وعبرت جيل عن اندهاشها من «استمرار تطور هذه التكنولوجيا، فهي لا تتوقف عند حد معين» بيد أن هذا لا يعني بأي حال أن الذكاء الاصطناعي، لم يعد يواجه صعوبات على كثير من الأصعدة الأخرى. ونظراً لأن النماذج تتعلم من خلال معالجة كميات هائلة من النصوص والصور، بدلاً من تجربة العالم المادي، فإن الذكاء الاصطناعي يُظهر «ذكاءً غير منتظم» (متذبذب).
* نجاح الروبوتات. اليوم، لا تزال الروبوتات في مراحلها الأولى، ولا تنجح إلا في 12 في المائة فقط من المهام المنزلية. أما السيارات ذاتية القيادة، فقد قطعت شوطاً أطول: تجوب سيارات «وايمو» الآن خمس مدن أميركية، وتنقل مركبات «أبولو غو»، التابعة لشركة «بايدو»، الركاب في أنحاء الصين. كما يتوسع الذكاء الاصطناعي ليضم مجالات مهنية مثل القانون والتمويل، لكن لا يوجد نموذج يهيمن بهذه المجالات حتى الآن.